ابن كثير
169
البداية والنهاية
إسراف وضياع مال في غير وجهه اللائق به ، ولإن يكون ما أردنا من ذلك نفقة في سبيل الله ، وردا على ضعفاء المسلمين خير من ذلك . ثم عقدها على ما أشار به المعمار . ولما سقف الوليد الجامع جعلوا سقفه جملونات ، وباطنها مسطحا مقرنصا بالذهب ، فقال له بعض أهله : أتعبت الناس بعدك في طين أسطحتهم ، لما يريد هذا المسجد في كل عام من الطين الكثير - يشير إلى أن التراب يغلو والفعلة تقل لأجل العمل في هذا المسجد في كل عام - فأمر الوليد أن يجمع ما في بلاده من الرصاص ليجعله عوض الطين ، ويكون أخف على السقوف . فجمع من كل ناحية من الشام وغيره من الأقاليم ، فعازوا فإذا عند امرأة منه قناطير مقنطرة ، فساوموها فيه ، فقالت : لا أبيعه إلا بوزنه فضة ( 1 ) ، فكتبوا إلى الوليد فقال : اشتروه منها ولو بوزنه فضة ( 2 ) ، فلما بذلوا لها ذلك قالت : أما إذا قلتم ذلك فهو صدقة لله يكون في سقف هذا المسجد ، فكتبوا على ألواحها بطابع " لله " ويقال إنها كانت إسرائيلية ، وإنه كتب على الألواح التي أخذت منها : هذا ما أعطته الإسرائيلية . وقال محمد بن عائذ : سمعت المشايخ يقولون : ما تم بناء مسجد دمشق إلا بأداء الأمانة ، لقد كان يفضل عند الرجل من القوم أو الفعلة الفلس ورأس المسمار فيأتي به حتى يضعه في الخزانة . وقال بعض مشايخ الدماشقة : ليس في الجامع من الرخام شئ إلا الرخامتان اللتان في المقام من عرش بلقيس والباقي كله مرمر . وقال بعضهم : اشترى الوليد العمودين الأخضرين اللذين تحت النسر ( 3 ) ، من حرب خالد بن يزيد بن معاوية بألف وخمسمائة دينار . وقال دحيم عن الوليد بن مسلم : ثنا مروان بن جناح عن أبيه قال : كان في مسجد دمشق اثنا عشر ألف مرخم ، وقال أبو قصي عن دحيم عن الوليد بن مسلم عن عمرو بن مهاجر الأنصاري : إنهم حسبوا ما أنفقه الوليد على الكرمة ( 4 ) التي في قبلي المسجد فإذا هو سبعون ألف دينار . وقال أبو قصي : أنفق في مسجد دمشق أربعمائة صندوق من الذهب ، في كل صندوق أربعة
--> ( 1 ) في معجم البلدان ( دمشق ) : ذهبا . ( 2 ) في ياقوت : ولو بوزنه مرتين . ( 3 ) في رواية خريدة العجائب نقلا عن ابن عساكر : تحت قبة النسر وهما على باب السنجق الكبير - اشتراهما من خالد بن يزيد بن معاوية . ( 4 ) الكرمة : فسيسفاء على هيئة الكرم مؤلفة من قطع صغيرة من الزجاج المربع مبطن بالذهب أو الألوان . وكان منها بقايا إلى أيام الحريق الأخير سنة 1310 ه ويوجد قريب منها في قبة الملك الظاهر بدمشق إلى اليوم . وقد أرخ الشيخ عبد الرحمن القصار شاعر دمشق ذلك الحريق الذي أصاب محاسن الجامع وذهب بأركانه قال : يا مسجدا قد هدمت أركانه * أبشر بتشييد مع الاتقان واخلع ثياب الحزن عنك فإنها * قد بدلت لك في ثياب تهاني كم من فؤاد ذاب لما أرخوا * بأجيج حرقك في ربيع الثاني